نجم أفل في مدينة الدار البيضاء

نجم أفل في مدينة الدار البيضاء 

في هذه العام ودعنا مجموعة من العلماء إلى دار البقاء، والعالم إذا مات فإن الأمة لا تجد من يخلفه، وخاصة في زمن طغت عليه الماديات، ومن النجوم التي كانت تضيء مدينة الدار البيضاء ورحلت عنها الفقيه المختار أعدي رحمه الله الذي وهب حياته للتعليم الشرعي دون ملل ولا كلل، فمن هو المختار أعدي؟ وأين درس العلوم الشرعية؟
الحاج المختار أعدي اختاره الله لتعليم القرآن والحديث والفقه المالكي...فقد ترعرع في قبيلة متوكة وتعلم القرآن على يد أبيه والتحق بمدرسة تالمست للتعليم العتيق وكان محبوبا عند شيخه أبي البركات عبد الله مقربا إليه، وبعد سنوات شاءت الأقدار أن يأتي إلى مدينة الدار البيضاء بعد أن مر على مدن أخرى ولكن لم يعمر فيها طويلا... عرفت الشيخ في معهد الفلاح بالقريعة حيث كان يدرسنا كل أحد ألفية ابن مالك والشيخ خليل رحمهما الله، وكانت جلسات مفعمة بالفوائد والنصائح، ويجلس للدرس الصغير والكبير فهناك رأيت شيوخا لا تستطيع المشي على راحتها وتتكبد عناء التنقل لحضور الدرس، فأذكر فقيها رحمه الله بلغ من الكبر عتيا ويأتي للدرس من مدينة برشيد إلى الدار البيضاء، بغية تحصيل المعرفة الشرعية، وبعد مدة اكتشفت أن للشيخ حلقات علمية أخرى بمسجد المسيرة بحي بلفيدير يوم الخميس والجمعة فهرعت للحضور، وكان يبدأ مباشرة بعد الفراغ من صلاة الصبح، فلما أتيت وجدت أمام الشيخ الأئمة من جميع النواحي المحمدية وبرشيد والمداكرة... فضلا عن الأحياء القريبة، فيبدأ في تدريس مجموعة من المتون اللغوية والفقهية على سبيل المثال لا الحصر ألفية ابن مالك والزواوي في اللغة، والقواعد الفقهية وتحفة ابن عاصم، وتفسير القرآن لعلي الصابوني، والموطأ بشرح الزرقاني... وكان رحمه الله يجلس للتدريس وعليه سمت الصالحين، وللأسف لم ننهل من علمه الكثير حيث شغلتنا الدروس النظامية عن تلكم الحلقات، وكان رحمه الله دائما يردد علينا كلكم ميسر لما خلق له فيقول رحمه الله على نفسه قمت بأعمال تجارية فلم تنجح لي لأن الله أرادني فقيها معلما، ومما أسره لنا أنه مرة لم يراجع الدرس لشغل شغله عن ذلك، فلما نام شرح له شيخه الدرس في المنام، وكان يعطي النصائح لطلبته واحدة تلو الأخرى ومما كان يوصي به لا تكونوا إمعة بل يجب أن يكون لكم رأي تثبتون عليه، وكان بعض الطلبة يكتفون بدروس اللغة ويذهبون فيقول لهم اكتفيتم بالوسيلة وتركتم الغاية وراءكم فعلوم الآلة هي وسيلة لفهم القرآن والحديث... وكان يدير رحمة الله عليه بمسجده مدرسة قرآنية تخرج منها مجموعة من الطلبة وتابعوا دراستهم في المدارس العتيقة، وخاصة مسجد الحسن الثاني الذي كان يدرس به أيضا، فمنهم الأساتذة ومنهم المرشدون... وكان إماما وخطيبا وواعظا بمسجد المسيرة وعضوا بالمجلس العلمي لعمالة مقاطعات مولاي رشيد. فأنا لا أعرف من وهب حياته في مدينة الدار البيضاء للتدريس بهذه الطريقة، فهناك فقهاء أجلاء يقومون بالتدريس من أمثال عبد الرحمان العلوي حفظه الله، وغيرهم في مسجد الفلاح بالقريعة أو غيره من المساجد، ولكن سي المختار وضع الله له القبول ووهبه طريقة ناجعة في التدريس، وكان لين التعامل مع طلبته، جعل الله ذلك في ميزان حسناته، فأنا أكتب هذه الكلمات في حق شيخنا الجليل ونفسي في شوق إلى تلك الجلسات التي تزيد الإيمان والمعرفة والأدب...ولكن هيهات فقد رحل الشيخ عن هذه الدار إلى دار الآخرة يوم الثلاثاء السادس عشر من ربيع الثاني اثنان وأربعون وأربعمائة وألف هجرية، الذي يوافق فاتح دجنبر 2020 ميلادية، وبرحيله انطفأ قنديل كان مصدر إشعاع لمجموعة من الأحياء بمدينة الدار البيضاء، لأن علم الشيخ كان ينقل إلى الأحياء عبر أئمتها وطلابها، اللهم ارحمه، واجعل القرآن شفيعه وقائده إلى الجنة، واجعل يارب قبره رياض من رياض الجنة.... آمين
يارب العلمين.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

النصيحة من الدين addin

رمضان والقرآن تعرف على العلاقة بين رمضان والقرآن